محمد متولي الشعراوي
9064
تفسير الشعراوي
والتكتّم ، فإذا بها تقول : { يا ليتني مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً } [ مريم : 23 ] أي : تمنتْ لو ماتت قبل أن تقف هذا الموقف العصيب ، مع أن الملك حين أخبرها من قبل بأن الله تعالى سيهَبُ لها غلاماً زكياً تعجبتْ قائلة : { أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً } [ مريم : 20 ] . مجرد تعجُّب وانفعال هادىء ، أما وقد أصبح الأمر ولادة حقيقية فلا بُدَّ من فعل نزوعي شديد يُعبِّر عما هي فيه من حَيْرة ، لذلك تمنتْ الموتْ ، مع أن الله تعالى نهانا عن تمني الموت ، كما ورد في الحديث الشريف الذي يرشدنا إذا ضاقتْ بنا الحياة ألاَّ نتمنى الموت ، بل نقول : « اللهم أحْيني ما كانت الحياة خيراً لي ، وتوفَّني ما كانت الوفاة خيراً لي » . وقلنا : إن تمني الموت المنهيّ عنه ما كان فيه اعتراض على قَدَر الله ، وتمرد على إرادته سبحانه ، كأنْ تكره الحياة والعيش إذا ضاق بك فتتمنى الموت ، أما أن تتمنى الموت لعلمك أنك ستصبر إلى خير مما تركت فهذا أمر آخر . وقد ورد في القرآن مسألة تمني الموت هذه في الكلام عن بني إسرائيل الذين قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه ، وقالوا : لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ، وأن الدار الآخرة لنا خالصة عند الله ، فبماذا رَدّ عليهم القرآن الكريم ؟